العلامة المجلسي
123
بحار الأنوار
{ 86 باب } * ( حرمة شرب الخمر وعلتها والنهى عن التداوي ) * ( بها ، والجلوس على مائدة يشرب عليها وأحكامها ) الآيات : البقرة : يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ( 1 ) . المائدة : إنما الخمر والميسر والأنصاب - إلى قوله تعالى - : منتهون ( 2 ) . النحل : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا " ورزقا " حسنا " ( 3 ) .
--> ( 1 ) البقرة 219 . ( 2 ) المائدة 90 . ( 3 ) النحل : 67 ، قال الطبرسي في المجمع ج 6 ص 370 : السكر على أربعة أوجه : الأول : ما أسكر من الشراب ، والثاني ما طعم من الطعام ، والثالث السكون ومنه ليلة ساكرة أي ساكنة ، والرابع المصدر من قولك سكر سكرا ، ومنه التسكير : التحيير في قوله تعالى " سكرت أبصارنا " . وقال في ص 371 : " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا " قيل معناه من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا " ، وقيل أن تقديره : ومن ثمرات النخيل والأعناب شئ تتخذون منه سكرا وهو كل ما يسكر من الشراب والخمر ، والرزق الحسن ما أحل منهما كالخل والزبيب والرب والرطب والتمر ، وروى الحاكم في صحيحة بالاسناد عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية ، فقال : السكر ما حرم من ثمنها والرزق الحسن ما أحل من ثمرها . قال قتادة : نزلت الآية قبل تحريم الخمر ونزل تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة قال أبو مسلم : ولا حاجة إلى ذلك سواء كان الخمر حراما " أم لم يكن ، لأنه تعالى خاطب المشركين وعدد انعامه عليهم بهذه الثمرات ، والخمر من أشربتهم ، فكانت نعمة عليهم ، وقيل : إن المراد بالسكر ما يشرب من أنواع الأشربة مما يحل الرزق الحسن ما يؤكل والحسن : اللذيذ . وقد أخطأ من تعلق بهذه الآية في تحليل النبيذ ، لأنه سبحانه إنما أخبر عن فعل كانوا يتعاطونه ، فأي رخصة في هذا اللفظ ، والوجه فيه أنه سبحانه أخبر أنه خلق هذه الثمار لينتفعوا بها ، فاتخذوا منها ما هو محرم عليهم ، ولا فرق بين قوله هذا وبين قوله " تتخذون أيمانكم دخلا بينكم " . أقول : فرق بينهما لان قوله تعالى " تتخذون منه سكرا " في مقام الامتنان وقوله " تتخذون أيمانكم " في مقام الانكار وقبله " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة " نعم مثله في مقام الامتنان قوله : " تتخذون من سهولها قصورا " وتنحتون الجبال بيوتا " فاذكروا آلاء الله " . وأما قول ابن عباس ومن تبعه بأن الرزق الحسن ما أحل منها ، وفى مقابلة السكر ما حرم منها يأباه المقام فإنه في مقام الامتنان بالطيبات ، يشهد بذلك آيات قبله بانزال الماء من السماء واسقاء اللبن من بين فرث ودم ، وآيات بعده باخراج العسل : شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس . والظاهر أن السكر معرب " شكر " بالفارسية : فكما أن الشكر هو ماء قصب يؤخذ ويغلى بالنار حتى يقول كالعسل فيؤتدم به هكذا صقر التمر وسقر العنب : يؤخذ ويغلى بالنار حتى يقول ، ليؤتدم به ، وهو الدبس وكلها رزق حسن اتخذها البشر بالهام الله عزو جل فعملها كذلك ، لئلا يطرؤها فساد الحموضة ، وتبقى للائتدام بها والارتزاق سنين كثيرة . وكثيرا ما يغلى دبس السكر " شيرهء شكر " زائدا " حتى يعلوه رغوة وزبد يتحجر كاللوح فتؤخذ على حدة وتسمى بالفارسية " شكرك " وهو الذي سموه بالعربية " سكرة " كقبرة أو هي لغة حبشية على ما يظن ، ويسمى دبس التمر والعنب صقرا " وسقرا " - بفتحتين بالسين والصاد - أيضا ويشبهان لفظ " شكر " لفظا " ومعنا " ، ولعلهما تعريبان لكلمة " شكر " بصورة أخرى ، وقد سمى جهنم " سقر " تشبيها " لموادها المذابة الدائمة الغليان بالشيرج المغلية و " صقر " لغة في " سقر " فعلى هذا الرزق الحسن هو الخل في مقابل السكر .